• ×

09:38 مساءً , الثلاثاء 27 أكتوبر 2020

محمد المنصور الحازمي
محمد المنصور الحازمي

إيران والخيارات الصعبة

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

واقع نظام الملالي في قم وحكام طهران , لوسعيهم الدؤوب صرف أنظار شعوب إيران عما يعانوه من مآس اقتصادية وفساد وممارسات قمعية لعرب الأحواز ولمعارضي النظام , وذلك بتأليب الأقليات الشيعية بالدول الاسلامية والخليجية بصفة خاصة , ونشر الفكر الشيعي بأفريقيا وآسيا الوسطى , بعد أن ضمنت بالتوافق مع أميركا هوية نظام الحكم بالعراق واستئثار أتباع المرجع السيستاني فارسي الأصل واللسان , على المراجع العربية الشيعية كالسيد الصرخي الذي يقود حملة شعبية غير طائفية أو مذهبية للتنديد بنظام الحكم الذي يقوده نوري المالكي والذي استعصى تحريكه عن موقعه وذلك للدعم الايراني الأميركي وهذا هو التوافق العجيب بين "الصديقين اللدودين" , ولايخفى ما يقوم به نوري المالكي من دور واضح بدعم نظام بشار الأسد العلوي أحد فرق الشيعة ببلاد الشام ليستمر نظامه في قمع معارضيه , بالرغم من أن غالبية الشيعة بالعراق مقهورون من بقائه بالحكم .

ولكن ما أن يرفع أحد الزعامات الشيعية صوته مناديا بضرورة إزاحة المالكي عن رئاسة الوزارة بالعراق, حتى تتدخل طهران وبقوة لإقناعه بالعدول , وهذا ما يتم إلى الآن , وكونه رئيس السلطة التنفيذية التي منحها الدستور العراقي سلطات واسعة , فرئيس الوزراء له أن يحتفظ بأي وزارة في حال عدم التوافق على من يشغلها فظل ممسكا بوزارة الدفاع والقائد الأعلى للقوات المسلحة وهذا مكنه من الاشراف المباشر على المخابرات والأمن , ومكَّنه من تهريب الأسلحة التي يحتاجها نظام بشار الأسد , والمساعدة بتمكين مليشيات إيرانية أو تابعة لإيران بالمشاركة بدعم قوات بشار وشبيحته , ويقال أن عمليات الذبح الفظيعة التي حدثت بحمص وحماة وغيرها تمت على أيدي تلك العصابات الاجرامية التي ينتمي معظمهم لفيلق القدس ولميليشيات جيش المهدي الذي سبق تسريحهم , وسياسيا وبحسب الدستور العراقي لا يمكن عزله الا بتوافر خمسة وستين نائبا عندها يحيلها رئيس الجمهورية لبرلمان , لكن مع تعذر ذلك بعد أن استخدمت إيران نفوذها واستدعت زعامات كانت هي المبادرة برفع صوتها ومنهم السيد مقتدى الصدر , وبالفعل توارت الأصوات ,واختفت الدعوات لعزله إلى أجل غير مسمى.
وتتركز المناصب الهامة على شخصيات وقيادات ممن كانوا لاجئين بإيران إبان حكم الرئيس الراحل صدام حسين حيث أعلنوا معارضتهم لنظام الحكم السابق وشجعوا الأميركيين بدعم إيراني نظير أن تسدد أميركا ثمن سكوتها ومباركتها لاحتلال العراق , فهم إيران وهدفها الاستراتيجي إضعاف الدولة العراقية التي كانت قائمة بقيادة صدام حسين , ومع دخول قوات الاحتلال الأميركي قامت القيادة الأميركية بالعراق بحل الجيش العراقي وتدمير ما وقع بيدها من أسلحة وعتاد و تفجير مستودعات السلاح , وما تبقى من طائرات حربية وسفن حربية وكلما كان لدى الجيش العراقي , وهذا يعتبر بحد ذاته أكبر مكسب استفادت منه يران , كما استفادت منه أميركا ودول التحالف التي أبرمت مع نظام الحكم بالعراق عقودا لشراء أسلحة دفاعية بمليارات الدولارات بما في ذلك تغيير الزي العسكري واستيراده ضمن صفقات السلاح , ولاتزال مبيعات الأسلحة مزدوجة الاستخدام محظورة على العراق وبخاصة الطائرات الحربية بموجب قرار مجلس الأمن , وبموجب حظر الطيران الحربي الذي فرضته أميركا ودول التحالف بحرب الخليج الثانية إثر هزيمة العراق وإخراجه من الكويت كما فرضت قبل ذلك منطقة حظر طيران وتشكيل مظلة حماية لإقليم كردستان العراقي الذي تم استثناؤه من العمليات العسكرية اثناء حرب تحرير الكويت 1990, ولاحقا اثناء احتلال العراق عام 2003م .
ومنذ انسحاب القوات الأميركية من العراق بنهاية عام 2011م وأميركا لاتزال تدعم سياسات نوري المالكي , ففي الانتخابات السابقة لاقى ترشيحه لرئاسة الحكومة بعد الانتخابات السابقة معارضة شيعية عارمة , ولاقى منافسة شرسة من إياد علاوي الذي فاز حزبه بمقاعد تفوق حزب نوري المالكي , ولكن جاءت التعليمات من طهران بانضمام الأحزاب الشيعية الأخرى بزعامة عمار الحكيم , وإبراهيم الجعفري وغيرهم ليشكلوا التحالف الوطني وذلك كي تحل كتلة علاوي بالمرتبة الثانية , ومن المعروف أن حزب علاوي يضم زعامات سنية كطارق الهاشمي وصالح المطلك وشخصيات علمانية وليبرالية أخرى .
وهذا بالضبط ما تم في لبنان بعد ازدياد الضغوط على حزب الله لتسليم المتهمين الأربعة من عناصر حزب الله بتنفيذ حادثة تفجير موكب الرئيس رفيق الحريري يرحمه الله الذي استشهد فيه ومعه 19 من مرافقيه , الأمر الذي حدا بوليد جنبلاط كي ينأى بطائفته الدرزية التي لها الفضل في زعامته عن التجاذبات السياسية ,وما يرافقها من صراعات سياسية ومواجهات مسلحة على غرار ما تم حين اقتحم حزب الله معاقل السنة ببيروت الغربية التي يتزعمها الرئيس السابق للحكومة اللبنانية سعد الحريري قبيل توليه رئاسة الحكومة اللبنانية , فانضم جنبلاط الذي كان احد اعمدة 14 آذار ومعه بعض النواب لفريق الثامن من آذار التي يتزعمها حزب الله والعماد ميشيل عون وأحزاب مرتبطة ايديولوجيا بالنظام السوري ,مما ساهم بانتقالهم من الأقلية للأغلبية والاتيان بنجيب ميقاتي رئيسا للحكومة اللبنانية وذلك بمباركة السيد حسن نصرالله الذي ضحّى بحليفه المؤقت عمر كرامي ونتيجة لذلك مع تحول حلفائهما للأغلبية أحكم النظامان الإيراني والسوري الخناق على فريق 14 آذار مما اعتبر ردا على قرار المحكمة الدولية بمطالبة الحكومة اللبنانية التي كان يتزعمها سعد الحريري والذي كان يواجه بردود قاسية من فريق 8 أيار ؛ إما أن يختار البقاء برئاسة الحكومة وعدم إصدار إحالة لوزير العدل بإصدار مذكرة جلب لعناصر حزب الله الأربعة التي وجه لهم المدعي العام للمحكة الدولية مذكرات جلب للتحقيق معهم , وهكذا تم إرجاء الطلب لاستحالة تطبيقه لتهديد حزب الله الواضح بأن من سيلقي القبض عليهم ستقطع يده , مؤكدا بزعمه أن تلك الاتهامات مجرد فبركات اتخذت بناء على قرارات سياسية أميركية قامت بالضغط على المحكمة وأن القضية مسيسة بامتياز بهدف معاقبة ما يزعم بأنها "المقاومه" ومعها نظامي "الممانعة" سوريا وإيران اللذين يدعمان حزب الله .
شعرت طهران بالزهو لاكتمال حلقة هلالها الشيعي المتنفذ بالعراق وسوريا ولبنان ,وتحريضها لتوابعها بالبحرين , وتشجيعها لشيعة الخليج بالكويت , وفي العوامية في القطيف لافتعال قلاقل وأعمال تتنافى مع القوانين والمواطنة , ولكن مع انتفاضة الشعب السوري ضد نظام بشار الأسد دق جرس الانذار في إيران بأن عليها أن تعيد حساباتها , لذلك لايُستَغرَب وقوفها الجاد من خلال الدعم الاقتصادي والتسليحي والخبرات حتى اضحت إيران طرفا في الصراع بين الشعب السوري ونظام حكم بشار الأسد ؛ الذي تجد طهران بزواله أفول زخمها وبالتالي تهاوي حزب الله في لبنان , فباءت كل محاولاتها بالفشل واستفادت من الموقف الروسي والصيني في إطالة عمر نظام بشار الأسد , وبمؤمر قمة عدم الانحياز الذي عقد بطهران منيت إيران بفشل ذريع فمن 129 دولة منتمية لحركة عدم الانحياز لم تحضر سوى 29 دولة ومما ضاعف فشل القمة وبالتالي ماكنت تنوي منه إيران مباركة مبادرتها الي ترمي لحل يبقي على بشار الأسد , فكانت صدتها بليغة وخابت معه آمالها خاصة خطاب الرئيس المصري محمد مرسي الذي هاجم بحدة نظام بشار الأسد القمعي وأنى عليه أن يتنحى عن الرئاسة لأنه يقتل شعبه , ومع حضور إيران بشخص رئيسها أحمدي نجاد مؤتمر مكة المكرمة لدول منظمة التعاون الاسلامي بمؤتمرها الاستثنائي الذي دعا له خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله حضر المؤتمر 157 دولة ولم تتخلف أيا من دول المنظمة , بينما بطهران حضرت 29 دولة من 129 دولة من دول عدم الانحياز , لاحظوا الفرق بين قمتىي مكة وطهران .

تسربت اخبار من مصادر موثوقة أن الرئيس الإيراني الدكتور محمود أحمدي نجاد لم يعد متحمسا لبقاء بشار اِلأسد بالحكم ولكن يريد تسوية تسمح بعلاقات مميزة بين إيران وسوريا مع النظام الذي سيخلف نظام بشَّار الأسد , وذلك عبر مبادرة إيرانية تدعو لوقف العنف وبمرحلة انتقالية عن طريق الانتخابات وتم رفضها قبل اعلانها رسميا , ويقال ان خلافات حادة بين المرشد الأعلى للثورة الايرانية "الولي الفقيه" على خامنئي , وبين الرئيس محمود أحمدي نجاد , حيث يصر خامنئي لدعم بشار الأسد ومساعدته على قهر مناوئيه , وفتح خزانة إيران لتعزيز صمود حكم بشار الأسد , وإنهاك خصومه ولو أدّى ذلك لإطالة أمد الحرب سنين اخرى ؛ في الوقت الذي يرى فيه نجاد أن ذلك سيسهم بتأجيج لمشاعر الايرانيين الذين يعانون ضائقة اقتصادية مما يجعل من المعارضة الايرانية أن تستفيد من الضيق الشعبي ومن ثم تقوم بتحركات بكافة أنحاء إيران وذلك تحت عناوين تلاقي صدى لدى شريحة عريضة من الايرانيين من هدر لأموال الشعب الإيراني ومنحه لبشار الأسد ,الذين يرون فيه أنه نظام آيل للسقوط .
لذلك باعتقادي أنه من الأولى عدم الرهان على حصان خاسر والأولى صرف تلك الأموال لتقليص البطالة وتعزيز قيمة العملة الايرانية وأن تركز الحكومة الايرانية جهودها للخروج من عزلتها بدلا عن تبديد الأموال على مغامران خارجية تساند فئة تمثل أقلية مقابل اكثرية سنية سورية من الصعوبة بمكان كسرها ومن المستحيل أن تعود سيطرة الأقلية فيها على مقادير الحكم بسوريا جراء ما يقترفه النظام الحاكم بسوريا من ممارسات وحشية دمرت المدن وأزهقت أرواح البشر حيث قتل اكثر من خمسة وعشرين الف نسمة وفقد خلالها السيطرة على 70% من الأراضي السورية فهو لا يسيطر فعليا سوى على دمشق , وقرى محافظة حلب وبعض الأرياف ومناطق الأكراد الذي أوكل لهم إدارة مناطقهم مقابل مساعدتهم لحزب العمال الكردستاني المعارض لنظام الحكم بتركيا .

وبالتالي فإن أفول إيران بالمنطقة بدأ مع بواكير ثورة أحرار سوريا , وإن غدا لناظره قريب ؛ لكن كيف ومتى ؟ ذلك يتطلب قرارا عربيا واضحا بإفهام إيران الا تتجاوز حدودها وأن نظاما تتغلغل بموجبه لكسر الارادة العربية ولإضفاء هيمنة شيعية عقدية على غالبية سنية لا يمكن أن تمر بسلام , وأنها ستدفع الثمن ضعافا مضاعفة وأن عليها أن تبني علاقات حسن جوار مع حوارها الإقليمي الخليجي والعربي إن هي أرادت أن تنكفئ لداخلها, وتكف عن برامجها النووية التاي لا تأتي بالخروج عليها أو على دول وشعوب المنطقة , عندها لن تتركز أنظار الغرب نحوها ولن تطالها تهديدات غربية وأميركية , وأن عليها أن تبني علاقات استراتيجية متكافئة تقوم على احترام سيادة الدول وأن الشيعة الذين يقيمون بالدول الخليجية هم مواطنون بدولهم وتتخلى عن تأليبهم على أوطانهم ,بدون ذلك وبدون هذه المصارحة ستظل المنطقة مهيأة على الدوام للاشتعال وللتدخلات الأجنبية وربما لايكون البديل مع استمرار الصلف الايراني والطموح باستعادة دورها الكسروي أن يتم إحياء معسكرين أحدهما روسي صيني إيراني و آخر أمريكي غربي تقوده أميركا , بما فيه تركيا التي من غير الممكن أن تتخلى عن كونها أحد دول حلف "الناتو" بينما يظل العرب بوسط أتون تينك المعسكرين ..

فهل تغامر إيران وفق توجهات الولي الفقيه , ومسايرة نجاد له من أجل بقائه بمنصبه على التخلي عن نظام بشار الآيل للسقوط و بسقوطه ,ربما يسقط معه نوري المالكي أو تعود لنقطة الصفر وتنحاز لإرادة الشعب السوري وتبقى على أقل القليل من مصالحها في المنطقة ,لكن الدلائل تشير أن طهران ستستمر بدعمه وفق تصميم المرشد الأعلى وضغوطه على الرئيس نجاد الذي ليس بوسعه أن يقول له لا , وبالتالي تزداد النار اشتعالا وتختلط الأوراق وينقسم العالم إلى معسكرين مما يعرض إيران التي لن تجد عندها روسيا والصين تقفان معها لأمد طويل بمواجهة الغرب ,وكذلك كافة الشعوب العربية التي تنظر بريبة لدعم إيران لنظام بشار لإطالة عمر النظام الأسدي القمعي و الذي يزيد من عزلتها المفروضة حالياً .

إيران بين خيارين إما استمرار دعم نظام آيل للسقوط , مع ثورة شعب يغلي بالداخل الايراني من أوضاعه المعيشية جراء الأزمات الاقتصادية , بينما وأمواله ومقدراته تتجه غربا , وهذا مما يهدد النظام الحاكم بإيران بالسقوط ربما بالتزامن مع سقوط نظام بشار الأسد, أو تمارس أو تتجه للغة العقل وحسابات المستقبل وتبقي على علاقاتها مع سوريا الشعب ومع شعبها الايراني وتكف عن تبديد ثرواته على أنشطتها النووية ودعم أنظمة حكم قمعية وتأليب أقليات على زرع الفتن والقلاقل بجوارها الاقليمي والعربي , ربما يكون ذلك فرصة سانحة لها للخروج من عزلتها ولتتحاشى الانهيار الاقتصادي الوشيك

 0  0  1500
التعليقات ( 0 )