• ×

02:59 صباحًا , الإثنين 27 يناير 2020

محمد بن علي حكمي
محمد بن علي حكمي

خلان الهنا اخوان الجفا

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى
و صوت إنسان فكدت أطير
يرى الله أني للأنيس لكارهٌ
و تبغضهم لي مقلةٌ و ضمير .

جميلةٌ جداً تلك العلاقة الإنسانية الراقية تربط بين جماعة أو اثنين.
و الأجمل منها أخلاقياتها الراقية لن يكون أولها الصدق و هو مشتقٌ منها و لن يكون أخرها الوفاء .

و لكنّا حين ندقق النظر نجدها تحمل في طياتها كذلك أقبح الخصال فلن يكون الغدر أولها و لا الجحود والنكران أخرها .
ما الداعي لئن يقول أحدهم :

و زهدني في الناس معرفتي بهم
و طول اختباري صاحبا بعد صاحب
فلم تُرني الأيام خلاً تسرني
بواديه إلا خانني في العواقب.

الكثيرون يقولون و قد لا أخالفهم " الصديق هو عدوٌ تحت التمرين " .

و لذلك يقول النبي صلى الله عليه و سلم :

" أحبب حبيبك هوناً ما عسى أن يكون عدوك يوما ما ".

و هذا منصور الفقيه يصيح فينا بصوت النذير :

احذر عدوك مرة ... و احذر صديقك ألف مرة
فلربما انقلب الصديق ... فصار أعلم بالمضرة

و كما أن الحياة من طبعها الغدر و الغرر فالصداقة هي الأخرى في غالب نهاياتها كذلك بيع غرر بلا خيار.
و لذلك شاع في الناس تلك المقولة الشهيرة:

" حتى أنت يا بروتوس".

و شاع قول إمامنا الشافعي :

و لا خير في خلٍ يخون خليله
و يلقاه من بعد المودة بالجفا.

و الحياة مراحل و كذلك الصداقة مراحل فأصدقاء الطفولة و أصدقاء المشيب و ما بينهما سرابٌ بقيعة !!!

فلو أنك أحضرت ورقة و قلماً و كتبت أسماء الأحبة القاطنين حنايا الذاكرة أو لو أنك فتحت قائمة الأسماء في جوالك و سألت نفسك لماذا كل هؤلاء هنا ؟؟

ستجيب نفسك بنفسك :
لعلني أحتاج إلى أحدهم يوماً ؟؟

ليس عيباً أن تأخذنا مشاغل الدنيا بعيداً عن أصحابنا فلقد روي أن إمامنا أحمد يقول :


" إن لي إخوانا أراهم في السنة مرةً هم عندي أوثقُ من أناسٍ أراهم كل يوم " .

و لكن المعيب الشائن أن تكون المنفعة المتبادلة هي ذُبالة فنار العلاقة فإن جف زيتها خفت ضياؤها.


و حين فتشت كتب التراث لأعرف كيف أكتشف وفاء صديقي أجابتني قائلة ً :

" لا يكون الصديق صديقاً حتى يحفظ أخاه في ثلاث : في نكبته , و غيبته , و وفاته "

و قال أحدهم :

أَخِلاَّءُ الرِّجَالِ هُمْ كَثِير
وَلَكِنْ فِي البَلاءِ هُمْ قَلِيلُ
فَلاَ تَغْرُرْكَ خُلَّةُ مَنْ تُؤَاخِي
فَمَا لَكَ عِنْدَ نَائِبَةٍ خَلِيلُ


و الآن و بعد كل هذا أجد العذر كل العذر للشاعر الأحيمر السعدي الذي أَنِسَ لعواء الذئب و فزع من صوت الإنسان فقال بيته الشهير ( عوى الذئب ) الذي استفتحت به المقالة و يقال بأنه أكثر الشعر تشاؤماً .

و لكني و بالرغم من كل ما سبق لا أزال أردد بحبٍ وصفاء برغم الهجران و الجفاء لخلان المودة و الوفاء

لا شَيْءَ فِي الدُّنْيا أَحَبُّ لِنَاظِرِي
مِنْ مَنْظَرِ الخِلاَّنِ و الأَصْحَابِ
وأَلَذُّ مُوسيقَى تَسُرُّ مَسَامعي
صوتُ البَشِيرِ بِعَوْدةِ الأَحْبَابِ
1

 2  0  1245
التعليقات ( 2 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    05-14-2012 01:49 صباحًا أبو أحمد :
    مقال رائع يحمل في مقاطعه دلالات صادقة وشواهد واضحة على ان الصداقة الحقة أعز من بيض العيُّوق
    ولكن الملاحظ من الاولين والآخرين أنهم يشكون من عدم وفاء الاصدقاء وندرة وجود الصديق الحق وينسون أنهم هم أنفسهم في مدار الاتهام لأن شكواك من عدم وفاء الآخرين تجعل الآخرين يسلكونك في عداد المتهمين ايضا.
    لأنه مامن إنسان الا ويشكو من هذه العلة المزمنة والله المستعان.
  • #2
    05-16-2012 06:00 مساءً فهد الحازمي :
    أعجبني مقالك يا ابا حسان
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 02:59 صباحًا الإثنين 27 يناير 2020.