• ×

03:30 مساءً , السبت 31 أكتوبر 2020

صالح الديواني
صالح الديواني

جمهورية الليبرالية وجماهير الراديكالية

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
ماذا لو تماهينا قليلاً مع عنوان المقال. وقررنا للحظة إيقاف دوران عجلة الصراع بين سلطان اللفظ والرمز من جهة، وفضاءات المعنى والتخيل من جهة أخرى. وتحررنا من ما يوصفَ بالمسلمات عند البعض. وبعيداً عن فراغات واحتمالات نصوص التنبؤ أو اجتزائها أو تسخيرها، وما قد ينتج عن ذلك من تأثير على الحالة. فهل يا ترى سيقبل المنطق إن فعلنا ذلك التجرد دون جدل؟ وهل سيعني ذلك لنا شيئاً؟ وما الذي يمكننا الخروج به من نتائج؟

باعتقادي الإجابة هي (نعم) سيقبل المنطق بكل رحابة صدر أيضاً. ولكن بشرط تواصلنا مع عمق اللغة وفضاءات المعنى، ونبذنا تعالينا على وجع ذواتنا بفوقية. وطرحنا الأحكام المسبقة وسياطها جانباً. وتخلصنا من عبودية الإسقاطات المتسرعة لتخيلاتنا المتعجلة على اللفظ. لأن هاجس التواطؤ مع فكرة التنبؤ سيضيف بعداً سلبياً من شأنه التشويش على النتائج التالية بالتأكيد. وعليه سيسقط مبدأ البحث الشفاف عن نقطة الإجابة الصريحة التي نرمي للوصول إليها كهدف نبيل غير متواطئ. ولأن التاريخ الإنساني يروي كثيراً من السير الإنسانية المختلفة. فإنه سيكون حليفاً أساسياً مناسباً لمعرفة المزيد عن طبيعة الفكرين معاً.
فمن خلال السرد التاريخي سنجد أن الإنسان نفسه عبر تاريخه الذي يمتد كثيراً قد بارك فكرة مذهبي (الراديكالية والليبرالية). فكيف حدث ذلك يا تُرى، ولماذا؟ وكيف يمكننا التواصل مع نسقين فكريين قد يرى البعض أن كلاً منهما صادم وعدائي، وغير مرض للآخر.
في الواقع لقد احتاج الإنسان على الدوام لنقطة ضوء في آخر النفق. وظل يبحث عن ذاته فيما بينه وبين محيطه ومتغيراته، ليصنع طريقته وطريقة الخاصين به للوصول إلى بصيص الضوء ذاك. وفي الغالب نجح في الاقتناع بما يجعله متصالحاً مع ذاته إلى حدٍ بعيد. ليشكل نقطة رضاه الخاصة المتوائمة مع قالبه وشكلياته. وبدا له ذلك مخرجاً مرضياً ومثيراً في ذات الوقت يُجنبه مأزق التصادم والإنكار أو التنكر. وساعدته عوامل ومكون البنية الاجتماعية ونسقها واختلافات الظروف البيئية بطرقها على رسم ملامح نقطة رضاه تلك. ولكن في مقابل ذلك البحث وكنتيجة إنما كان في الحقيقة يصنع شرخاً في لغة الضمير الإنساني توسع لاحقاً دون رحمة. فساهم هو بذاته في غفلةٍ منه في تعثر سعيه على مستوى التلاحم الاجتماعي والتلاقي الفكري، مهدراً بذلك الكثير من الوقت في محاولاته الوصول لحالة التصالح الفكري الجماعي كيفاً وكماً ولا يزال يفعل.
ففي الواقع لم تكن (الليبرالية والراديكالية) إلا إجابتين من مجموع ثلاث نتائج خلص الإنسان إليها بالتجربة والمعايشة تلخصت في (التحرر، والتشدد، والوسطية). وقد تناوب على تطبيق معظمها على مر تاريخه الإنساني. مع فارق أن فكر المنهج الوسطي جاء كومضات سريعة بمجلدات تاريخه. إلا أن الفكرين المتضادين وغير المنسجمين (التحرري والمتشدد) كانا هما الأكثر خصوبة بروزاً وقرباً من ذاته، والأكثر سيطرة على كيانه وممارساته. وهما الفكران الأكثر شيوعاً في أوساطه. وقد رسخ لهما كمنهجين وأسلوبين لكافة نواحي الحياة دون أن يحتاج إلى تعريفٍ أو تسميةٍ لهما.

فالفكر (المتحرر) الذي عُرف لاحقاً بـ(الليبرالي) في القرن السادس عشر والذي ينادي بتقديم أولوية الحقوق المدنية للفرد والجماعة وضرورة تمتعهم بالحريات التي قد تغيبها الظروف السياسة أو الاقتصادية أو الثقافية؛ قد حمل تاريخاً عريقاً من الحضور، وإرثاً ضخماً من المواجهات مع متتالية من المتغيرات الدينية والعقائدية والقومية والفكرية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية، والتي قوضت من مساحة تغطيته وحجم تأثيره في أوقات متفرقة من التاريخ، لكنه ساد في أوساط عديدة من المجتمعات المختلفة، وشكل جزءاً مهماً من ذاكرتها وشخصيتها وإرثها التاريخي، كونه الأصل في البدء قياساً على قاعدة (الأصل في الأشياء هو الحِل). ومع ذلك فقد سجل الفكر المتحرر حضوره بجلاء في المشهد التاريخي الإنساني. أما الفكر (الراديكالي Radicalism) أو (المتشدد) فهو الذي يُصر على العودة إلى الجذور للبحث عن حلول للمشكلات الحديثة ملغياً أهمية الزمن، وهو مذهب يخضع (كالليبرالية) لمعتقد متزعميه، ومر هو أيضاً بالعديد من التحديات الدينية والفكرية والاجتماعية والسياسية، واستطاع أن ينجو من مقصلة كم المواجهات والصدامات التاريخية المناهضة له، سواء أكان مستعيناً بالسلطة الدينية أو السياسية، أو بتحالف الاثنين معاً. وواصل وجوده القوي كمسار لا يتقاطع مع الفكر المتحرر (الليبرالي) إلا في مواضع معينة قليلة. مسيطراً على حقب تاريخية بأكملها.

وظهرت (الراديكالية) كمصطلح تعريفي لغوي في القرون الوسطى. وتعني (الأصل أو الجذور). واستمر في اللمعان مع ازدهار العقليات والسياسات التي تبنته كمنهج وطريقة لترجمة الأفكار، وتفسير الحوادث، ورؤية الأساطير، وبالتالي قيادة المجتمع، وهو ما كان يحدث قبل ذلك وحتى يومنا هذا، مع تفاوت في حجم مساحة السيطرة، ومستوى قوة التطبيق.
ويخضع كلا الفكرين لطبيعة المجتمعات التي تحل بين ظهرانيهما. وقد يختلف كل منهما فهماً وتطبيقاً من مجتمعٍ إلى آخر. وفي ظني يُخطئ من يعتقد بنشأة الفكرين في القرون الوسطى، أو ينسب ظهورهما لتلك الحقبة، لأن ما حدث هناك لم يكن في الواقع أكثر من تخريج للتسمية فقط. واعتماد اللفظ والتعريف كمصطلحين يشيران إلى كلٍ من الفكرين على حدة. في حين أنهما كفكرين قد عاصرا الإنسان منذُ أول ظهور له على الكوكب وحتى يومنا هذا. فإنهما والإنسان سيظلان متلازمين ما بقي التنفس الآدمي.
]

22/3/1433هـ

 0  0  1106
التعليقات ( 0 )