• ×

06:06 مساءً , الخميس 5 ديسمبر 2019

محمد المنصور الحازمي
محمد المنصور الحازمي

القرني والعودة - سن النضج والوسطية

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
كثير ممن كانت لغتهم الحماسية الطاغية التي شدت الكثير من الشباب الذي يرى أنه مميز؛ بحكم دراسته الشرعية ،أو من الكبار سنا لا علما ؛ الذين فتنوا بمن لديهم فكرا وتعمقوا في العلم الشرعي من مناهل مواربة ، ومثال ذلك الدكتور عائض القرني والدكتور سلمان العودة اللذين ما أن بلغا الأربعين عاما حتى تبدلت لغتهما وتحررت أفكارهما من التزمت وأضحيا دعاة الوسطية والاعتدال عكس ما كانا عليه من تأليب سامعيهم ومريديهم على المجتمع وبيئته اللتين كانا يريانها انحرفت، بمن فيهم حكاما ومحكومين عن منهج السلف ..

الدكتور سلمان العودة والذي هاجم العديد من أكابر علماء المسلمين ومنهم الشيخ الدكتور محمد الغزالي وسطر إليه رسالة عنونها من الشيخ الدكتور سلمان العودة إلى محمد الغزالي... هكذا دون ألقاب كما أشار لنفسه ..منتقدا إياه في مواضيع خلافية ؛فما كان من الشيخ الدكتور محمد الغزالي أن رد عليه :.لقد أسمى نفسه بالشيخ والدكتور وجردني من ألقاب أستأثر بها لنفسه وأنكرها عليَّ.. فهل هذا تواضع العلماء لم يراعي سني وأقدميتي.. لقد ألفت العديد من الكتب في شتى فروع العلم الشرعي.. وعنون عني دون ألقاب كما ميز نفسه. .

الظاهر إعلاميًّا أن تبدلت لغة الدكتور سلمان العودة ولا أعتقد أنه سيقر الآن على الأقل عبر الاعلام كما جاهر حينها متطاولًا عليه ،وسطر مقالًا خاطب به الشيخ الغزالي في تلك المرحلة السنية بعد أن وصل لسن النضوج وازدادت معارفه ورأى أن مخاطبة الناس يجب أن تكون على غير ما كانت سلفا..

سمعته اليوم في برنامج أسبوعي على mbc التي كان ينتقدها سابقا ،وأيضًا الدكتور عائض القرني الذي كان يطلق على صحيفة "الشرق الأوسط ": خضراء الدمن ؛ وقرأ له باستمرار مقالات بتلك الجريدة ... لم أقصد بما ذكرت هنا اجترار ماض للشيخين الفاضلين اللذين يحوزان الكثير من الاحترام من مختلف شرائح المجتمع العربي والإسلامي وليس السعودي فحسب.

فهما ومن كان على نمطهما ، ركنوا على شعبيتهما العارمة من الشباب المتحمِّس ، وقد نشأ جيل منهم؛ الرافض لكل شكل من أشكال التعامل مع غير المسلم ،وحتى مع من جلدوهم نعوتًا بالليبراليين أو العلمانيين ممن لا ينتمون لذلك الفكر ، و مع أنهم لا يعرفون ماذا تعني تينك المفردتين ، وما انفكوا يلصقون ببعض مواطنيهم المسلمين لمجرد الاختلاف في وجهات النظر من حيث الوسطية والاعتدال وأسس تعامل الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين ,واصحابه مع أهل الكتاب ومرتكبي بعض الكبائر التي لا تخرج المسلم عن الملَّة .

ولقد عدَّا الأسس العامة للشرع الإسلامي؛ كما هم يفهمانها ، لا كما دونت بكتب ومصنفات العلماء السابقين، وقد اكتسب من يرونهما قدوة لهم شعبية عارمة.. فلما بلغا الأربعين وبحكم أنهم محسوبون بحكم الدعاة أو "الملتزمين "الدعاة ،لو أخذنا بالتوصيف الشكلي المقترن بنصيب من العلم الشرعي وقوة البيان وامتلاك ناصية اللغة وفن الخطابة.

. بعد نضوجهما وبلوغهما سن الأربعين أصبحا يتحدثان بلغة أخرى وبأسلوب فيه رقة ، طبعا هما اكتسبا شعبية قبل الأربعين بحكم ضجيجهم وحماسهم الناقد والناقم على مجتمع بأكمله، وكانا يلجآن لأسلوب التعريض المبطن بالحكام والمسؤولين ليثيرا حماس طائفة كبيرة من المندفعين بتلقائية نحو ما واكب أحاديث هؤلاء من أسئلة لم يسمعوا لها جوابا شافيا.. فألهبوا حماس المتلقين في الجامع والجامعة والمدرسة وعبر أشرطة الكاسيت جلها ينصب على انتقاد العلاقة مع الغرب "الكفار" والمبالغة في تكريس المفهوم الضيق للولاء والبراء.. بحيث جسدوا موضة التجهم على محيا سامعيهم وجعلوه نمطًا لمقارعة الآخر.

صارا ينتهجان مقاربات فقه الواقع ؛ولغة العصر .بينما حين كانا تحت سن الأربعين عاما ويمتلكان مقدرة خطابية مسرحية تجعل السامعين يشنفون الآذان ويسفعون الدموع من مآقيهم لإلهاب وتهييج العواطف والتباكي أو البكاء المبالغ فيه والترديد المفرط في الألفاظ والكلمات الخاصة بالوعيد التي تثير العواطف ، وقد اكتسبا حضورا جماهيريا وشعبية عارمة وولاء من كثير من الناس الذين تغلب العاطفة عندهم العقل..

وقد حققا نتائج إيجابية بمحاورتهما من غرر بهم من قبل منظري الفئة الضالة التي انساقت وراء فتاوى المقدسي والتي أسست مع الغلاة الذين اتبعوا منهج التطرف بالجهاد الإسلامي المصري بقيادة أيمن الظواهري الطبيب الذي يناكف حتى علماء الأزهر والمعتدلين الذي كانوا تابعين لجماعة الإخوان المسلمين والمهندس أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة الذي تأثر بالمقدسي وأثر فيه فكر الظواهري الذي قام بتلميعه إعلاميا ودغدغ عواطفه بتطويبه قديسًا عبر قاعدة الجهاد للكفار فأصبح يهاجم علماء الأمة وحكامها ويكفرهم وجنى على الإسلام الكثير من المآسي التي لا تزال تعاني منها ، في أفغانستان والعراق والصومال والجزائر وأسهم في موجة الإرهاب ببلد الإسلام ومهبط الرسالة المحمدية؛ متأسيا بفكر المقدسي الذي هاجم خيرة علماء السلف الذين تلقى على أيديهم العلم الشرعي كالشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين يرحمهما الله ثم انقلب عليهما ووصمهما بعلماء السلطة...

وهذا ما أثار غيظ الكثير من الدعاة فانخرطوا في نقد تلك الانقلابية المصلحية المشوشة التي دفعها الغرور للتطاول على علماء ربانيين ولقد انتقد كثيرون من فئة الغلاة الأقل حظا من العلم الشرعي الشيخ الدكتور عائض القرني في مواقف كثيرة حتى كتب قصيدته الشهيرة التي أعلن فيها عزمة على ترك المجال الذي يمارسه.. ثم انبرى علماء أجلاء وقادة المجتمع مدافعين عنه ومتمنيين عليه أن يستمر في رسالته التنويرية وأن المجتمع بحاجة له ولأمثاله..

لقد كتب الأستاذ والكاتب الصحفي المخضرم سمير عطا الله أن كتاب لا تحزن للدكتور عائض القرني من أكثر الكتب مبيعا في أوروبا وقد ترجم لعدد من اللغات ،وأضاف أن الكتاب من أفضل الكتب التي قرأها في حياته وأثنى على ما بالكتاب من عظات ونصائح بأسلوب سلس يعالج الكثير مما تعانيه المجتمعات من سوداوية .. أو كما قال. ولا ننسى تفرد الشيخ الدكتور العبيكان الذي يعتبر نسيجًا وحده في الوسطية والاعتدال والنضج الفكري وسعة العلم الشرعي وفقه الواقع.

مما سبق؛ الأمل أن يحتذي شباب اليوم الذين لهم نصيب من العلم ؛يستفيدوا من تجارب من سبقهم بالبعد عن التشدد المفرط واللعب على عواطف الناس وتهييج مشاعرهم وأن يقلعوا عن أساليب التنفير والوعيد ،واستحضر ما أكد عليه الشيخ الدكتور صالح آل الشيخ وزير الشؤون الإسلامية باتباع لغة الترغيب في الدين والرفق والترفق بالمسلمين وعدم التركيز على ما ينفر من أساليب التشدد.

فهل سينقلبان مستقبلًا ويتماهيان مع أي موجة مناكفة لواقع الأمة الاسلامية .أم هو التمهيد لبناء قاعدة بنمط جديد ، على ضوء افتتانهما بكتب سيد قطب وبخاصة كتاب معالم على الطريق الذي ما انفكا يمتدحاه...؟


بواسطة : المدير
 0  18  1955
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 06:06 مساءً الخميس 5 ديسمبر 2019.