• ×

11:04 صباحًا , الخميس 7 ربيع الأول 1440 / 15 نوفمبر 2018

السعودية وأميركا " رياح جديدة أم تصريحات عابرة "

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
رؤية المجلس الدولي لحقوق الإنسان والتحكيم والدراسات السياسية والاستراتيجية يطرحها الدكتور محمد محمود الجمسي الأمين العام للمجلس ,بوجوه عابسة وجباه مقطبة وصدور ضيقة حرجة طالعتنا التصريحات السعودية الرافضة لمقعد مجلس الأمن بعد سعيها الحثيث في السابق للحصول عليه وكذلك تصريحات تعبر عن استيائها من سياسات واشنطن المتخاذلة , والتغيرات التكتيكية التي يقوم بها الرئيس الامريكي أوباما على صعيد السياسة الخارجية في الشرق الأوسط، ولاح للجميع في الأفق مدى التوتر الحادث بين واشنطن والرياض، وبدأ يطفو على السطح سؤال عن مدى جدية السعودية في إحداث تحول جذري في علاقتها مع الولايات المتحدة، وهل حدة التصريحات تمهيد لحدث جلل أم أنها تصريحات عابرة كرياح موسمية لن تلبث إلا أن تأخذ دورتها وتمضي بانقضاء أسبابها. و باستقراء العلاقة الراسخة طويلة الأمد بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية سنرى أنها ذات جذور متأصلة لا يمكن أن تنتهي بين عشية وضحاها، و قد يميل الكثيرون أيضا إلى أن مايحدث ماهو إلا سحابة مشحونة بالتوتر لن تلبث إلا أن تنقشع رويدا رويدا وأن الإفراط في التصريحات ليس جديدا على ساحة التصريحات العربية.

ترتكز العلاقة بين واشنطن والرياض على ركائز اقتصادية وأمنية واستراتيجية متينة؛ فالرياض تضمن لواشنطن تدفق دائم للنفط بمميزات تفوق غيرها، فضلاً عن استثمارات الخليج في السندات الامريكية وكذلك ضمان استقرار الخليج. و من جهة أخرى فقد حافظت واشنطن على ضمان الزعامة السعودية لمنطقة الخليج خصوصا على غريمتها إيران وهي المصدر الأساسي لما تحتاجه الرياض من أسلحة، ومَثل التواجد الأمني الامريكي في الدول الخليجية رادعاً في وجه إيران لصالح الخليج. ولسنواتٍ طوال، ظلت الشراكة بين الدولتين وثيقة لا تنفصم حتى خلال حرب الخليج الأولى والثانية واحتلال العراق، لا يشوبها إلا بعض التصريحات التي لا تلبث إلا أن تتبخر محافظتاً على الأصول و الاستراتيجية المتفق عليها من الجانبين. بيد أن في الفترة الأخيرة مع اندلاع ثورات الربيع العربي وحركة الاحتجاجات التي اجتاحت العواصم العربية، وما تلى ذلك من أحداث متسارعة تنبئ بتغير الايديولوجيات التي قبعت طويلا مسيطرة على المنطقة.

بدأت الريبة من جانب المملكة العربية السعودية عند وقوف واشنطن بجانب ثورتي مصر وتونس وتأييد واشنطن لحكومة الإخوان المسلمين في مصر، مما أدى لتوجس الرياض من انتشار وتشجيع ايديولوجية الإخوان المسلمين ونشاطها السياسي المخالف تماما في جوهره للتيار السلفي الوهابي الذي تدعمه الرياض، مما قد يُنذر بإثارة القلائل ضد استقرار المملكة، لاسيما أنه من جهةٍ أخرى توجد روابط لا بأس بها بين جماعات الإخوان المسلمين وإيران و أذرعها في المنطقة كحزب الله اللبناني؛ و هو أمر لا يمكن أن ترضى المملكة ألا يتعدى دورها فيه دور المتفرج لأن انفلات زمام الأمور من يدها قد يؤول إلى رجة هائلة في المنطقة و زلزالا يطيح باستقرار المملكة كلها و تمزق ما سعت فيه طويلا لتثبت أوصاله. و لن تصمت طويلا حتى تفقد نقط ارتكاز استراتيجية كي تخفق كما أخفقت في الحفاظ على مصالحها في عراق ما بعد صدام. و عقب 30 يونيو التي أطاحت بالأخوان المسلمين من الحكم والتي دعمتها المملكة السعودية تحت غطاء استقرار مصر واستردادها من الجماعة الإرهابية، انزعجت الرياض كثيرا من تململ واشنطن من الاعتراف بثورة 30 يونيو وعدم مساندتهابشكل واضح وصريح، بل وقطع المعونات العسكرية عن مصر.

وعلى صعيدٍ آخر، يظهر تذمر الرياض من تعامل الإدارة الامريكية مع الأزمة السورية، فالثورة السورية تمثل للرياض محورا هاما لكون نتيجتها ستشكل وجه المنطقة الجديد ووضع إيران وحزب الله فيه؛ ففشلها يُقوي شوكة حزب الله وإيران ويضعهما في إطار "المقاومة والممانعة" ضد مؤامرات الغرب وأعوانه التي تُحاك ضدهما، و على إثر ذلك ستقوى شوكة الخلايا الشيعية كالحوثيين ووفاق البحرين وشيعة شرق المملكة وغيرهم، وهذا سيكون صداه مزلزلا للرياض، و مآل الأمور إلى غير محلها- في نظر المملكة- كفوز الإخوان أو التيارات الجهادية التابعة للقاعدة بالسيطرة على سوريا ما بعد الثورة لن يكون مرضيا أيضا للمملكة، وقد بذلت الرياض ما في وسعها لإقناع واشنطن بشن ضربة عسكرية ضد نظام الأسد مما لا يجعل الأمور تخرج عن سيطرة الرياض خاصة مع اختلاط الحابل بالنابل على الأراضي السورية والوصول إلى عدم التيقن من أي نتيجة قد تصل إليها الأزمة في رحلتها الطويلة، وزاد حث الرياض لواشنطن بعد مجزرة الغوطة الأخيرة، و إذ تتفاجئ الرياض باكتفاء واشنطن بعقد صفقة تفكيك الأسلحة الكيماوية مع روسيا والنظام السوري؛ وكأنها تنفض يديها من مهمتها المتوقعة تاركة الرياض تحتسي مرارة الانتظار وتتركها كفريسة لسيناريوهات تسعى الأخيرة جاهدة لئلا تسقط فيها، فضلا عن إسهام فعلتها تلك في إطالة أمد الصراع وبالتالي ضمان بقاء الأسد.

و إذ يبلغ حبل الصبر منتهاه، عند توقيع إيران اتفاقيتها الأخيرة في جنيف مع دول 5+ 1 ؛ تلك الاتفاقية التي تراها الرياض أنها تمنح إيران المزيد من استعراض القوة في المنطقة والتحرر من الحصار وتحقيق خطوة على طريق الهيمنة على المنطقة بالإضافة إلى إعطائها فرصة أكبر للمناورة وبالتالي دس أنفها في المنطقة، وبلا شك سحب بساط الزعامة من تحت قدمي المملكة وتأجيج الصراع بين الطرفين. و دول الخليج التي لا تتردد لحظة بالتماس القوى الخارجية لموازنة قوة إيران، تجد أن تلك القوى رجحت كفة المفاوضات السلمية التي لن تقضي بالضرورة بوقف النشاط النووي الإيراني بل إبطائه فحسب لا سيما مع تصريحات صادرة من الإدارة الامريكية عن حق إيران في استخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية- على كفة التدمير الكامل للبنية التحتية النووية الإيرانية وهو الخيار الذي تميل إليه الرياض.

أما عن الولايات المتحدة، فقد نستطيع بيسر استقراء ماتميل إليه إذا نظرنا جيدا للسياسة التي تنتهجها الإدارة الامريكية في عهد أوباما، ودققنا النظر في الاختلاف الواضح بين إدارة الأخير و إدارة من سبقه. فتغير الظروف خاصة الاقتصادية منها بين إدارتي أوباما وبوش يفرض تشكيل سياسة خارجية جديدة على الولايات المتحدة تعتمد على الخبث والمناورة وتبتعد عن التصادم العسكري والانخراط في المعارك غير محسومة النهايات. فعلى الرغم من إسراع الكونجرس الامريكي عقب الاتفاق مع إيران على التأكيد على أن أي تقارب مع إيران لن يكون على حساب زعامة المملكة السعودية لمنطقة الخليج، و لن تسمح الولايات المتحدة لإيران بأن تصبح هي القوة الاقليمية المهمينة هنالك، مؤكدين في تصريحاتهم أن عدم الرضا عن بعض السياسات لا يعني التخلي عن الشراكة، وأن التواجد الامريكي في البحرين وقطر يؤكد حرص الولايات المتحدة على الحفاظ على ذاك الهدف، إلا أننا نجد أن الإدارة الامريكية لا ترى وسيلة ملائمة أكثر من ذلك تحقق بها مكاسبها وتؤمن به مصالحها في منطقة الشرق الأوسط. ففي الداخل الامريكي، سيكون عسيرا إقناع المجتمع الامريكي بشن حرب جديدة.

و نظرا لما خلفته حرب العراق وافغانستان من عواقب اقتصادية وخيمة يتحملها المواطن الامريكي نفسه مازالت تعاني منها كاهل الإدارات الامريكية، و يربو على هذا عدم ضمان الولايات المتحدة نجاح الضربة العسكرية ضد إيران بسبب طبيعتها الجغرافية الوعرة التي تجعل من قدرة العسكرية الامريكية على ضرب المنشآت النووية الإيرانية مهمة ليست مأمونة العواقب، بالإضافة إلى تعريض الطواقم الامريكية المستقرة في الخليج إلى خطر إيراني. ففشل الخيار العسكري سيكون مأساة لا تتحملها الولايات المتحدة. وعلى الجانب السوري، لا ترى الولايات المتحدة ضيرا أن تنتظر وتطيل أمد الصراع السوري قليلا فهي لا تود الانخراط في حرب نتائجها غير محسومة بل و تفضل ترك الأطراف الاقليمية تأخذ دورا قليلا قبل أن تتدخل الولايات المتحدة في النهاية لترجح الكفة في الاتجاه الذي تريد.

ولا ننكر أن العقوبات الاقتصادية التي فُرضت على إيران أثرت سلبا على الاقتصاد الإيراني إلا أنها خفقت في إحداث تغيير في سياسة إيران النووية، بل وربما عززت من نفوذ الأصوليين أمثال أحمدي نجاد الذين عارضوا المفاوضات، لذا فالتخلي عن المفاوضات في الوقت الحالي بعد اعتلاء روحاني الذي يبدو أكثر مرونة عمن قبله ستكون تكلفته باهظة. و هل المنطق يملي على واشنطن أن تتخلى عن أولوياتها وتصنع من نفسها فانوسا سحريا تلبيةً لمطالب الرياض!!

تتبلور حاجة الولايات المتحدة الاساسية في حليفها في الشرق الأوسط على قدرته أن يكون قوة ردع يشل حركات ومخططات قد تعرقل بالمصالح الامريكية، وهذا ما لا تراه واشنطن مكتملا في الرياض؛ لذا وجب عليها إعادة ترتيب أوراقها في وقت تقف فيه المنطقة بأكملها على شفا جرف هار قد ينهار بها في فوضى شديدة الفتك.

لا يخفى على مستبصر القلق الذي يكتنف الرياض من خطوات واشنطن التي تشكل استراتيجية جديدة لا ترضاها الأولى، ولا يخفى أيضا أن تصريحات الرياض حول مواقف واشنطن وكذلك رفضها مقعد مجلس الأمن - تحت زعم فشل المجلس في حسم أي قضية وأنها لا ترضى بدور التابع- يرنو أساسا إلى التاثير على الولايات المتحدة حتى تأخذ منعطفا آخر. وعلى المدى القصير يخبرنا التاريخ أن منطقة الخليج ستتماشي مع استراتيجية الولايات المتحدة، ولكن أيضا هناك بعض الاتجاهات التي بدأت تظهر داعية الرياض لأن تكون أكثر جرأة وتتصرف كقوة عسكرية تتبعها واشنطن استنادا إلى أن واشطن في حاجة إليها؛ لأن الرياض لا تستطيع الانتظار حتى ترى إيران إن كانت جارا متهورا أم منضبطا؟ خصوصا مع تنافس قوى إقليمية أخرى لقيادة المنطقة كتركيا ومعها قطر. و لكن هل معنى أن الولايات المتحدة تركت يد السعودية في البحرين واليمن لكي تتصرف وتدير الأمور في 2011 يعني أنها ستخضع لكل طموحات المملكة ومطالبها !! و بذكر المصالح فهي متبادلة. لكن هل نرى في الأيام القادمة توسيع الرياض لدائرة حلفائها فتتصل بروسيا والصين والهند؟ و لكن ما مدى تلبية هذه الأقطاب لمصالح الرياض خصوصا و إن كانت تربطهم علاقات جيدة ورؤى مشتركة في القضايا الاقليمية بإيران. والإجابة المُثلى أن الشراكة الامريكية مازالت هل المُثلى.

ولكن بموضوعية ومنطق نرى تخوفات الرياض هي تخوفات زائدة عن الحد في الوقت الحالي، فواشنطن ليست بالتهور الذي يجعلها تتخلى عن شراكتها الاستراتيجية مع الرياض خصوصا في ظل مصالحهما المشتركة، كما أنها لن تطلق العنان لإيران في المنطقة؛ فهي مازالت غير واثقة من قدرتها على احتواء إيران، فاحتوائها بعد ثلاثة عقود من العداء يتطلب المزيد من الجهد والوقت لقياس مدى التزامها واستجابتها لشروط القوى الغربية في المسألة النووية. فغصن الزيتون الذي حمله محمد جواد الظريف وزير خارجية إيران خلال المفاوضات خديعة لن تنطلي على الغرب بسهولة.

لذا فالإفراط في التصريحات اللاذعة لا يعني رياح جديدة لتغيير التحالفات القائمة، والشراكة جذورها تمتد لعمق يمنعها من أن تقتلعها أي رياح مهما كانت قوتها. اليوم الذي ستستغني فيه واشنطن عن النفط السعودي وتستغني فيه الرياض عن الستار الأمني الذي توفره لها واشنطن، حينئذٍ قد نفكر هل ستُقتلع جذور الشراكة أم لا ؟!


* "الامين العام للمجلس الدولى لحقوق الانسان والتحكيم والدراسات السياسية والاستراتيجية"


 0  0  888
التعليقات ( 0 )